المبشر بن فاتك

201

مختار الحكم ومحاسن الكلم

تلزموا ما أنعم اللّه سبحانه [ 46 ا ] به عليكم . يا طالبى الذهب والفضة ! ألأنفسكم تريدون جمعها ، أم لأنفسهما ؟ فإذا جمعتموهما « 1 » ، فإن كنتم راغبين فيهما فما الذي يحملكم على أن تبتاعوا بهما المحقّرات ؟ ألا تعتبرون وتعلمون أنهما لا رغبة فيهما ؟ دعوا الذهب والفضة لمن يشقى بهما ويحفظهما . وعليكم بالحكمة فإنها ضياء النفس ، وبها تظهر فضائلها وجميع أخلاقها . الزموا العلم فإنه من خاصّة الصورة التي هي بدء الخلقة ، ولا تطلبوا الإسراف في الأكل والشّرب فإنهما من شكل الهيولى التي هي أوضع من الصورة ، وهو « 2 » الذي تتم به فعال الصورة ، فتشبّهوا بالصورة لأنها المحركة بالقوة التي أنشأ فيها الخالق سبحانه ، ولا تميلوا إلى الهيولى الذي أنشأه الخالق تعالى وتمّمه بالصورة وحرّكه بتحريك القوة لها . - وحقا أقول لكم ! إن أوميروس الشاعر مصيب في حكمته « 3 » وقوله إن الهيولى مثال الأنثى ، والصورة مثال الذكر . أصلحوا أنفسكم تصلح لكم « 4 » آخرتكم . إن تقبلوا قولي ترشدوا ، وإن تغفلوا ذلك لم تضيّعوا غير أنفسكم ، ولا ينال ضرر ذلك غيركم . الزموا طريق أسلافكم وخذوا الشراك « 5 » الذي سلكه قبلكم من تقدمكم . فارقوا الدنيا وأنتم غير مجروحين بشهواتها . قدّموا الحكمة على جميع المرغوب . اعنوا بقوام البدن ، فإنه آلة النفس . اطلبوا فضائل النفس تصحّ لكم قواكم . لا تمدحوا المذموم ولا تذمّوا الممدوح . تعاونوا على البرّ ، وارفعوا عنكم البغضاء . لا تأنسوا بما يفارقكم ، ولا ترغبوا فيما تفقدونه قريبا ، واطلبوا الفضائل التي اتفق الناس على

--> ( 1 ) ب : اجتمعوهما . ( 2 ) يلاحظ أنه يستعمل الهيولى أحيانا مذكرة ، وأخرى مؤنثة . ( 3 ) ح : حكمه . ( 4 ) لكم : ناقصة في ح . ( 5 ) الشراك : سير النعل على ظهر القدم . الطريقة من الكلأ . والجمع : أشرك وشرك . والمقصود : السبيل ، الطريق .